فخر الدين الرازي

77

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( والله بصير بما يعملون ) * والمقصود أنه تعالى لما ذكر أنه يوفى لكل أحد بقدر عمله جزاء ، وهذا لا يتم إلا إذا كان عالما بجميع أفعال العباد على التفصيل الخالي عن الظن والريب والحسبان ، أتبعه ببيان كونه عالما بالكل تأكيدا لذلك المعنى ، وهو قوله : * ( والله بصير بما يعملون ) * وذكر محمد بن إسحاق صاحب المغازي في تأويل قوله : * ( وما كان لنبي أن يغل ) * ( آل عمران : 161 ) وجها آخر فقال : ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال : * ( أفمن اتبع رضوان الله ) * يعني رجح رضوان الله على رضوان الخلق ، وسخط الله على سخط الخلق ، * ( كمن باء بسخط من الله ) * فرجح سخط الخلق على سخط الله ، ورضوان الخلق على رضوان الله ، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما قال : * ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) * ( آل عمران : 159 ) بين أن ذلك إنما يكون معتبرا إذا كان على وفق الدين ، فأما إذا كان على خلاف الدين فإنه غير جائز ، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته ، وبين من اتبع رضوان الخلق ، وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بينا أن الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة فهو عرف حادث . * ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . اعلم أن في وجه النظم وجوها : الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لان هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره الا الصدق والأمانة والدعوة إلى الله والاعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة . الوجه الثاني : أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة والغلول قال : لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول : ان وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فإنه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الانسان إلى الخيانة . الوجه الثالث : كأنه تعالى يقول : انه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، وأنتم أرباب الخمول